مرتضى الزبيدي

341

تاج العروس

والثَّوَابُ : النَّحْلُ لأَنّهَا تُثُوبُ قَالَ سَاعِدَةُ بنُ جُؤَيَّةَ : مِنْ كُلِّ مُعْنِقَةِ وكُلِّ عطَافَةِ * منْهَا يُصَدِّقُهَا ثَوَابٌ يَرْعَبُ وفي الأَسَاس : ومِنَ المَجَازِ سُمِّيَ خَيْرُ الرِّيَاحِ ثَوَاباً ، كَمَا سُمِّيَ خَيْرُ النَّحْلِ [ وهو العسل ] ( 1 ) ثَوَاب ، يُقَالَ : أَحْلَى مِنَ الثَّوَابِ ، والثَّوَابُ : الجَزَاءُ ، قَالَ شَيْخُنَا ظَاهِرُهُ كالأَزْهَرِيِّ أَنَّهُ مُطْلَقٌ في الخَيْرِ والشَّرِّ لاَ جَزَاءُ الطَّاعَةِ فَقَطْ ، كَمَا اقْتَصَر عَلَيْهِ الجَوْهَرِيّ ، واسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى " هَلْ ثُوِّبَ الكُفَّارُ " ( 2 ) وقد صَرَّحَ ابنُ الأَثِيرِ في النهاية بِأَنَّ الثَّوَابَ يَكُونُ في الخَيْرِ والشَّرِّ ، قَالَ ، إلاَّ أَنَّهُ فِي الخَيْرِ أَخَصُّ وأَكْثَرُ اسْتِعْمَالاً ، قلْتُ : وكذَا في لسان العرب . ثُمَّ نقل شَيْخُنَا عن العَيْنِيِّ في شَرْح البُخَارِيِّ : الحَاصِلُ بِأُصُولِ الشَّرْع والعِبَادَاتِ : ثَوَابٌ ، وبالكَمَالاَتِ : أَجْرٌ لأَنَّ الثَّوَابَ لُغَةً بَدَلُ العَيْنِ ، والأَجْرُ بَدَلُ المَنْفَعَة ، إلى هُنَا وَسَكَتَ عَلَيْهِ ، مع أَنَّ الذِي قاله من أَنَّ الثَّوَابَ لُغَةً بَدَلُ العَيْنِ غَيْرُ مَعْرُوفٍ في الأُمَّهَات اللُّغَوِيَّةِ فَلْيُعْلَمْ ذلكَ ، كَالمَثُوبَة قَالَ اللهُ تَعَالَى " لَمَثُوبَةٌ منْ عنْدِ اللهِ خَيْرٌ " ( 3 ) والمَثْوَبَةِ قال اللِّحْيَانِيُّ : أَثَابَه اللهُ مَثُوبَةً حَسَنَةً ، ومَثْوبَةٌ بِفَتْحِ الواوِ شَاذٌّ ، ومنه قَرَأَ مَنْ قَرأَ " لَمَثْوَبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ خَيْرٌ " وأَثَابَهُ اللهُ يُثِيبُهُ إثَابَةً : جَازَاهُ ، والاسْمُ الثَّوَابُ ، ومنْهُ حَدِيثُ ابْنِ التَّيِّهَان " أَثِيبُوا أَخَاكُمْ " أَيْ جَازُوهُ على صَنِيعِهِ وقد أَثْوَبَهُ اللهُ مَثُوبة حَسَنَةً ومَثْوَبَةً ، فَأَظْهَرَ الوَاوَ عَلى الأَصْل ، وقال الكلاَبيُّونَ : لا نَعِرِف المَثْوَبَةَ ولكن المَثَابةَ وكذا ثَوَّبَهُ اللهُ مَثُوبَتَهُ : أَعْطَاهُ إيَّاها وثَوَّبهُ من كذَا : عَوَّضَهُ . ومَثَابُ الحَوْضِ وثُبَتُهُ : وَسَطُه الذي يَثُوبُ إليه الماءُ إذا اسْتُفْرِغَ . والثُّبَةُ : مَا اجْتَمَعَ إليهِ المَاءُ في الوَادِي أَو في الغَائِطِ ، حُذِفَتْ عَيْنُهُ ، وإنَّمَا سُمِّيَتْ ثُبَةً لأَنَّ المَاءَ يَثُوبُ إلَيْهَا ، والهَاءُ عِوَضٌ عن الوَاوِ الذّاهِبَةِ من عَيْنِ الفِعْلِ ، كما عَوَّضُوا من قَوْلِهِمْ أَقَامَ إقَامَةً ( 4 ) ، كَذَا في لسان العرب ، ولم يَذْكُر المُؤَلِّفُ ثُبَةً هنا ، بل ذكره فِي ثَبي مُعْتَلِّ الَّلامِ ، وقد عَابُوا عَلَيْهِ في ذلك ، وذكرهُ الجَوْهَريّ هنا ، ولكنْ أَجَادَ السَّخَاوِيُّ في سِفْرِ السَّعَادَةِ حَيْثُ قال : الثُّبَةُ : الجَمَاعَةُ فِي تَفَرُّقٍ ، وهي مَحْذُوفَةُ الَّلامِ ، لأَنَّهَا من ثَبَيْتُ ( 5 ) أَي جَمَعتُ ، وَوَزْنُهَا على هذا فُعَةٌ ، والثُّبَةُ ، أَيْضاً : وَسَطُ الحَوْضِ ، وهُو مِن ثَابَ يَثُوبُ ، لأَنَّ المَاءَ يَثُوبُ إليها أَي يَرْجِعُ ، وهِي مَحْذُوفَةُ العَيْنِ ووَزْنُهَا فُلَةٌ . انْتَهَى ، نقله شَيْخُنَا . قُلْتُ : وأَصْرَحُ مِنَ هذَا قَوْلُ ابْنِ المُكَرَّمِ رَحِمَهُ اللهُ : الثُّبةُ : الجمَاعةُ مِنَ النَّاسِ ويُجْمَعُ عَلَى ثُبًى ، وقد اختلَفَ أَهْلُ اللُّغَةِ فِي أَصْلِهِ ( 6 ) فَقَال بَعْضُهُمْ : هي من ثَابَ أَي عَادَ ورجعَ ، وكان أَصْلُهَا ثُوَبَةً ، فَلَمَّا ضُمَّتِ الثاءُ حُذِفَتِ الوَاو ، وتَصْغِيرُهَا ثُوَيْبَةٌ ، ومن هذا أُخِذَ ثُبَةُ الحَوْضِ وهو وَسَطَهُ الذي يَثُوبُ إليه بَقِيَّةُ المَاءِ وقولُه عزَّ وجلَّ ، " فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفرُوا جَمِيعاً " ( 7 ) قال الفَرَّاءُ : مَعْنَاهُ فانفِرُوا عُصَباً إذَا دُعيتُمْ إلى السَّرَايا أَو دُعِيتُمْ لتَنْفِرُوا جَمِيعاً ، ورُوِيَ أَنَّ مُحَمَّدَ بنَ سَلاَّمٍ سأَلَ يُونُسَ عن قَوْلِهِ عزَّ وجلَّ " فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعاً " قال : ثُبَةٌ وثُبَاتٌ أَي فرْقَةٌ وفِرَقٌ ، وقال زُهَيْرٌ : وَقَدْ أَغْدُو عَلَى ثُبَة كِرَامٍ * نَشَاوَى وَاجِدِينَ لِمَا نَشَاءُ قال أَبو مَنْصُورٍ : الثُّبَات : جَمَاعَاتٌ في تَفْرِقَةٍ ، وكلُّ فِرْقَة : ثُبَةٌ ، وهَذَا مِن ثاب ، وقال آخَرُونَ : الثُّبَةُ من الأَسْمَاءِ النَّاقصَةِ ، وهو في الأَصْل ثُبَيَة ، فالسَّاقطُ لاَمُ الفعْلِ في هذا القَوْل وأَما في القول الأَولِ فالسّاقِطُ عَيْنُ الفِعْلِ ، انْتَهَى ، فإذا عَرَفْتَ ذلك عَلمْتَ أَنَّ عَدَمَ تَعَرُّض المُؤَلِّفِ لِثُبَة بمعْنَى وَسَطِ الحَوْضِ في ثَابَ غَفْلَةٌ وقُصُورٌ . وَمَثَابُ البِئرِ : مَقَامَ السَّاقِي مِنْ عُرُوشهَا على فَمِ البِئْرِ ، قال القُطَامِيُّ يَصفُ البِئرَ وتَهَوُّرَهَا : ومَا لِمَثَابَاتِ العُرُوش بَقِيَّةٌ * إذَا اسْتُلَّ مِنْ تَحْت العُرُوشِ الدَّعَائِمُ

--> ( 1 ) عن الأساس . ( 2 ) سورة المطففين الآية 36 . ( 3 ) سورة البقرة الآية 103 . ( 4 ) زيد في الصحاح : وأصله إقواما . ( 5 ) عن اللسان ، وبالأصل " ثبت " . ( 6 ) اللسان : أصلها . ( 7 ) سورة النساء الآية 71 . ( 8 ) كذا بالأصل واللسان ، وفي الصحاح : مقام المستقي على فم البئر عن العرش .